علي بن أحمد المهائمي
624
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
السماوات . [ فكانت صورة إلقاء موسى في التّابوت ، وإلقاء التّابوت في اليمّ صورة هلاك في الظّاهر ، وفي الباطن كانت نجاة له من القتل ، فحيّي كما تحيا النّفوس بالعلم من موت الجهل ، كما قال : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعني بالجهل وَجَعَلْنا يعني : بالعلم لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ [ الأنعام : 122 ] وهو الهدى كَمَنْ مَثَلُهُ [ الأنعام : 122 ] ، وهي الضّلال بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ [ الأنعام : 122 ] أي : لا يهتدي أبدا : فإنّ الأمر في نفسه لا غاية له يوقف عندها ، فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة ، فيعلم أنّ الأمر حيرة ، والحيرة قلق وحركة ، والحركة حياة ، فلا سكون ، فلا موت ؛ ووجود ، فلا عدم ] . وإذا كان إلقاء موسى في التابوت إشارة إلى إلقاء الروح في البدن ، وإلقاء التابوت في اليم إشارة إلى : إلقاء الروح بواسطة البدن في فنون العلوم المختلفة الموجبة لإنسانيته الكاملة المنجية من موت الجهل الجاهل إنسانيته محض الحيوانية ، ( فكانت صورة إلقاء موسى في التّابوت ، وإلقاء التّابوت في اليمّ صورة هلاك في الظّاهر ) ، إذ الأغلب غرق التابوت في البحر وتلف ما فيه ، ( وفي الباطن ) باعتبار كونه يشبه إلقاء الروح في البدن ، وإلقاؤه في بحر العلم ( كانت نجاة له من القتل ) ، أي : قتل قوم فرعون إياه الذي هو شبه قتل الجهل ، وقد كان هذا الباطن غالبا على أمه بالوحي الإلهي إليها ، فأثر في حقه فنجا من القتل ، ( فحيّي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل ) القاتل لإنسانيته ، وإن بقيت حيوانيته في شكل الإنسان ( كما قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً يعني : بالجهل ، فَأَحْيَيْناهُ يعني : بالعلم ) أشار إلى منفعة العلم ومضرة الجهل ، بقوله : ( وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي ) في فنون العلم والأحوال والمقامات حتى يسري نوره ( فِي النَّاسِ ) ، وذلك النور ( هو الهدى ) الذي به المشي فيما ذكرنا ، ( كَمَنْ مَثَلُهُ [ الأنعام : 122 ] ) أي : صفته المعروفة التي يضرت بها المثل أنه مستقر راسخ ( فِي الظُّلُماتِ وهي ) وجوه ( الضلال ) ، ومسمى وجوه الحياة المذمومة ( لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ، أي : لا يهتدي أبدا ) . بل كلما زيد في حقه بيان الهدى ، ازداد له اعتراض الشبه ، فالمهتدي لا ينتهي سيره فيما ذكرنا من العلوم والأحوال والمقامات ، والمقال لا تنتهي شبهه كما قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 125 ، 124 ] ، ( فإن الأمر في